عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
235
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
ولم يكن يعرفه أهل الحجاز ، كما أخذ الأمويون عن الفرس شرابا اسمه « الهفنجة » كانوا يشربونه سبعة أسابيع في بعض منازل القمر . فشربه الوليد بن يزيد كذلك « 1 » . ولما جاء العباسيون تفننوا في أنواع الشراب ومجالسه والمنادمة عليه متأثرين على نطاق واسع بأشربة الأمم التي خالطوها وبعاداتهم في شرابهم ومجونهم . فكان من أنواعه نبيذ التمر والزبيب والشعير والذرة والتين والبر والعسل وغيرها . ونوع يسمى « الخليطين » وهو أن يؤخذ قدر من تمر ومثله من زبيب فيوضعا في اناء ثم يصب عليهما الماء ويترك زمنا . وقد ثار جدال شديد بين الفقهاء في النبيذ كالذي كان بينهم في الغناء . وانتقل هذا الجدال إلى الشعراء والأدباء . فقال بعضهم : « أباح أهل الحرمين الغناء ، وحرموا النبيذ ، وأباح أهل العراق النبيذ وحرموا الغناء ، فأوجدونا في الرخصة فيهما عند اختلافهما إلى أن يقع الاتفاق « 2 » » . وفي ذلك يقول ابن الرومي : أباح العراقي النبيذ وشربه * وقال حرامان : المدامة والسكر وقال الحجازي : الشرابان واحد * فحلّ لنا من بين قوليهما الخمر سآخذ من قوليهما طرفيهما * وأشربها لا فارق الوازر الوزر وقد اختلف موقف الخلفاء العباسيين من الشراب ، فبعضهم كان يسرف منه اسرافا شديدا ومنهم من يعتدل ، وآخرون يمتنعون عن تعاطيه امتناعا كاملا . فالخليفة المهدي مثلا كان لا يشرب النبيذ ، ولكن لا تحرجا بل كان لا يشتهيه . وكان أصحابه يشربون عنده بحيث يراهم . وكان وزيره يعقوب بن داود يعظه في ذلك ويلح عليه في حسمه عن اسقائهم النبيذ محافظة على هيبة مجلسه ووقاره . ولما ولي المهتدي الخلافة سنة 255 ه . حرم الشراب والاختلاف إلى القيان للسماع وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وكان صالحا تقيا عادلا طاهر السيرة . بنى قبة جلس فيها لاستقبال العام والخاص والنظر في المظالم ، وكان يواصل العبادة والصيام
--> ( 1 ) الأغاني : ج 12 - ص 30 . ( 2 ) ضحى الاسلام : أحمد أمين ج 1 - ص 125 .